محمد بيومي مهران
154
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
أحلام عابديها لأجله ، فأجاب بهذا الجواب ، فأنكره الملك الطاغية الذي حكي عنه ادعاء الألوهية لنفسه ، وقال « أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ » ، أحي من أحكم عليه بالإعدام بالعفو عنه ، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله ، فدل جوابه هذا على أنه لم يفهم قول إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، ذلك لأن إبراهيم عليه السلام وهو رسول موهوب موهبة ربانية إنما يعني من الاحياء والإماتة الانشاء ، إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء ، فذلك عمل الرب المتفرد الذي لا يشاركه فيه أحد من خلقه ، ولكن الذي حاج إبراهيم في ربه ، رأى في كونه حاكما لقومه ، وقادرا على إنفاذ أمره فيهم بالحياة والموت مظهرا من مظاهر الربوبية ، فقال لإبراهيم : أنا سيد هؤلاء القوم ، وأنا المتصرف فيهم وفي شؤونهم ، فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له وتسلم بحاكميته « 2 » . وقال قتادة وابن إسحاق والسدى وغير واحد : وذلك أنه أوتي بالرجلين قد استحقا القتل ، فأمر بقتل أحدهما ، فيقتل ، وأمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل ، فذلك معنى الإحياء والإماتة ، والظاهر واللّه أعلم ، أنه ما أراد هذا ، لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم ، ولا في معناه ، لأنه غير مانع لوجود الصانع ، وإنما أراد أن يعي لنفسه هذا المقام ، عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك ، وأنه هو الذي يحيي ويميت ، كما اقتدى به فرعون في قوله : « ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي » ، ولهذا قال إبراهيم ، لما ادعى هذه المكابرة : « فإن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب » « 3 » . وقال الأستاذ الإمام محمد عبده : لم يقل « فقال إني أحي وأميت » ، لأن جوابه مقطع عن الدليل لا يتصل به بالمرة ، فإنه أراد أن يكون سببا للإحياء والإماتة ، والكلام في الإنشاء والتكوين ، لا في اتخاذ الأسباب والتوسل في
--> ( 1 ) تفسير المنار 11 / 39 . ( 2 ) في ظلال القرآن 1 / 298 . ( 3 ) تفسير ابن كثير 1 / 468 .